الشيخ حسن المصطفوي
79
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
وممّا يدلّ على أنّ الطعم غير الأكل : قوله تعالى : * ( وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُه ُ ) * - 47 / 15 وقولهم استطعمته : ذقته لأعرف طعمه . وممّا يدلّ على انّه ليس بتذوّق صرف : قوله تعالى : * ( الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) * ، * ( وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ) * ، * ( يَأْكُلانِ الطَّعامَ ) * . وبهذا يظهر أنّ الأكل في الآيات الكريمة انّما استعمل في موارد يراد فيها مطلق مضغ شيء ومحو صورته في الفم في مورد التغذّى . وهذا بخلاف الطعم : فيستعمل في موارد يراد فيها الأكل مع التذوّق . * ( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ) * - 25 / 20 . * ( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْواقِ ) * - 25 / 7 . * ( وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ) * - 21 / 8 . * ( فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ ) * - 6 / 14 فانّ الأنبياء المرسلين إلى الإنس لدعوتهم لا بدّ وأن يكونوا من سنخ الانس حتّى يستأنسوا ، ولا يعقل أن يكونوا أجسادا بلا أرواح لا حياة فيها حتّى يستغنوا عن التغذّى ، ولا أن يكونوا من سنخ عالم الروح والمجرّد عن المادّة ، فانّه حينئذ لا يحتاج إلى إرسال الرسل والبعث إلى الناس لدعوتهم ، لعدم حصول الانس والارتباط فيما بينهم حينئذ في الظاهر . وان كان الارتباط الروحاني كافيا : فانّ اللَّه تعالى هو المحيط البصير الحكيم السميع ، ولا حاجة إلى رسول غيره ، وانّما يبعث الرسل ليكونوا مستأنسين بهم ومؤتلفين - . * ( وَلَوْ جَعَلْناه ُ مَلَكاً لَجَعَلْناه ُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) * - 6 / 9 وانّما الفرق بين الأنبياء وغيرهم : أنّ الأنبياء وأولياءهم انّما يطعمون لتقوية جانب الروح ولإدامة الحياة الروحانيّة ، وأمّا الآخرون فانّهم يطعمون لتقوية الأبدان ونظرا إلى تحصيل الشهوات الماديّة ، فالأنبياء ومن تبعهم لا يزيدون من تناول الطعام إلَّا روحانيّة ونورا ، وأهل الدنيا والمتمايلون إلى الشهوات لا يزيدهم الَّا حجابا وظلمة . وعلى هذا ترى الأنبياء ينفقون طعامهم إذا رأوا فيه نورا أزيد ، وأمّا المتوغَّلون